محمد جمال الدين القاسمي
230
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
منها بوجه من الوجوه كما تزعمون . بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا . ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة . كما سيأتي بيانه . فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل ، ردّا على أسلافهم من قوله تعالى : أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، أي إنما سبب خيرهم وشرهم ، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم ، عند اللّه تعالى لا عند غيره . حتى يسندوها إليه ويطيّروا به فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ يعني المنافقين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي قولا . والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجب من كمال غباوتهم . إذ لو فقهوا شيئا لعلموا مما يوعظون به ، أن اللّه هو القابض الباسط . وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان . والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 79 ] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي : نعمة فَمِنَ اللَّهِ أي : فمن نعمته وتفضله ابتداء وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أي : بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أي من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها . وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى ، نازلة من عنده عقوبة ، كقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] . روى ابن عساكر عن البراء رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم . وما يغفر اللّه أكثر » . روى الترمذيّ « 1 » عن أبي موسى الأشعريّ عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها ، إلا بذنب . وما يعفو اللّه عنه أكثر . قال وقرأ :
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : التفسير ، 42 - سورة الشورى ، 2 - حدثنا عبد بن حميد . ونصه : عن عبيد الله بن الوازع : حدثني شيخ من بني مرة قال : قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال بن أبي بردة . فقلت : إن فيه لمعتبرا . فأتيته وهو محبوس في داره التي كان قد بنى . قال وإذ كل شيء منه قد تغير ، من العذاب والضرب . وإذا هو في قشاش ( لقاطة ) فقلت : الحمد لله ، يا بلال ! لقد رأيتك وأنت تمر بنا ، تمسك بأنفك من غير غيار . وأنت في حالك هذا اليوم ! فقال : ممن أنت ؟ فقلت : من بني مرة بن عباد . فقال : ألا أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به ؟ قلت : هات . قال : حدثني أبي ، أبو بردة عن أبيه ، أبي موسى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال . . .